الشيخ محمد رشيد رضا
286
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
التوبة ، وكون آية التوبة نزلت بقبول الجزية وهو يتفق مع العفو والصفح ، فإنهم بخيانتهم صاروا حربيين واستحقوا ان يقتلوا ، وقبول الجزية منهم يعد عفوا وصفحا عن قتلهم ، واحسانا إليهم . وثم وجه آخر وهو ان الامر بالعفو والصفح انما هو عن الخيانات الشخصية لا عن نقض العهد الذي يصيرون به محاربين لا يؤمن جوارهم . وهذا اظهر من جعل الامر بالعفو مقيدا بشرط محذوف تقديره ان تابوا وآمنوا وعاهدوا أو التزموا الجزية ، هذا ملخص ما يقال في رأي الجمهور . ولولا أن نزول هذه السورة متأخر عما كان بين النبي ( ص ) واليهود من القتال وعن نزول سورة التوبة لقلت يحتمل ان يكون المراد هنا يهود بني النضير ( ومثلهم بنو قريظة ) بقرينة ما جاء قبل هذا السياق من خبر محاولتهم قتل النبي ( ص ) غدرا منهم وخيانة ، ويكون المراد بالعفو والصفح عنهم ترك قتلهم والرضاء منهم بما دون القتل بعد القدرة عليه وهذا هو الذي وقع ثبت في السيرة النبوية ان النبي ( ص ) رغب عندما آوى إلى المدينة في مصالحة اليهود وموادعتهم ، فعقد العهد معهم على أن لا يحاربوه ولا يظاهروا من يحاربه ، ولا يوالوا عليه عدوا له ، وان يكونوا آمنين على أنفسهم وأموالهم وحريتهم في دينهم . وكان حول المدينة منهم ثلاث طوائف : بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة . فكان بنو قينقاع أول من غدر وتصدى لحرب النبي ( ص ) جهرا ، لأنهم كانوا أشدهم بأسا ، فلما ظفر بهم وسأله عبد اللّه بن أبي رئيس المنافقين فيهم وهبهم له ، وكانوا حلفاء للخزرج ، وكان هو يتولاهم وينصرهم وينصر غيرهم من أعداء النبي ( ص ) ما استطاع ، وهذا ضرب من العفو والصفح . وأما بنو النضير فنقضوا العهد أيضا وهموا بقتل النبي ( ص ) فحل له قتالهم ، ولكنه اختار السلم وأن يكتفي أمرهم بطردهم من جواره ، فبعث إليهم « أن اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها وقد أجلتكم عشرا ، فمن وجدت بها بعد ذلك ضربت عنقه » فأقاموا يتجهزون أياما . ثم ثناهم عن عزمهم عبد اللّه بن أبيّ إذ أرسل إليهم أن لا تخرجوا فان معي ألفين يدخلون معكم حصنكم فيؤتون دونهم وتنصركم قريظة وحلفاؤكم من غطفان . وكان رئيسهم حيي بن أخطب شديد العداوة